حسن الأمين

48

مستدركات أعيان الشيعة

الإسلام « . . وهو يعني تاريخ الفكر العربي ! . وظاهر أن هذه الحجة ناشئة عن ضعف الثقة عند أمثال هذا الباحث الغربي بقدرة المفكرين العرب والمسلمين على أداء دورهم الحضاري في عصر لم يبق شك لباحث منصف أنه كان عصر إبداع ثقافي كثير الخصب عظيم الأثر في تطور التاريخ الإنساني الحضاري ، إذ قام المفكرون العرب والمسلمون فيه بمهمات رائعة من النقل والترجمة والإضافة من ابداعهم إلى تراث الحضارة الفكري والعلمي إضافات تشهد بعظم طاقاتهم وجليل حرصهم على إغناء الفكر والثقافة الإنسانيين ، وقد أغنوهما فعلا بثروات لا تزال شاهدة خالدة . إن حجة « كراوس » لا تنهض دليلا علميا على نفي ما أراد نفيه من نسبة رسائل جابر بن حيان إلى هذا العالم المبدع . وليس لازما باطلا أن تؤدي صحة هذه النسبة إلى تغيير نظر الباحث الغربي المذكور في تاريخ الفكر العربي ، فما ذا يمنعه أن يلتزم بتغيير وجهة نظره ؟ . . وما ذا يمنع من القول إن جابر بن حيان « أول من نقل علوم الأوائل إلى العرب » ، ما دام قد ثبت عند الباحثين أن ترجمة علوم الأوائل قد بدأت قبل نحو قرن من عهد جابر ، فضلا عن عهده بالذات ، إذ ثبت ان الترجمة بدأت في عهد عمر بن عبد العزيز الأموي ، وان العمل في الكيمياء بالذات قد بدأ عند العرب في محاولات خالد بن يزيد الأموي ؟ . . 8 - وكيف يجوز في منطق البحث العلمي ان يطلق « كراوس » حكمه السابق القائل بان أسماء طبقات العين عند حنين بن إسحاق « ليس من المعقول » أن يكون حنين قد أخذها عن جابر بن حيان ، « بل العكس هو المعقول » ؟ . . كيف يجوز إطلاق هذا الحكم هكذا دون دليل علمي معقول مقنع ؟ . . ما ذا يمنع أن يكون جابر قد سبق حنين إلى هذا الكشف العلمي ؟ . . كيف يجوز الظن والترجيح - فضلا عن الجزم - على غير أساس علمي في نفي وجود شخصية مشهورة مستفيضة الذكر ، وفي نفي نسبة مؤلفاته إليه رغم شهرة هذه النسبة وتوكيد الشواهد عليها ؟ . . 9 - أما التعابير الواردة في رسائل جابر ومشابهتها لتعابير الإسماعيليين المتأخرين عن عهده ، فشانها كشان الحجة السابقة ، لا تنهض دليلا علميا معقولا مقنعا ، لأن هذه التعابير لم تكن من ابتكار الإسماعيليين المشار إليهم ، بل هي واردة كثيرا في المأثورات السابقة لوجودهم ، ولا سيما تعابير « الظاهر » و « الباطن » التي جاءت في القرآن الكريم ، فضلا عن ورودها في الشعر والخطب والرسائل قبل عهد الإسماعيليين هؤلاء . منطق الفكر العلمي ، إذن ، يقضي بان يبقى القول بحقيقة جابر بن حيان الواقعية وبصحة نسبة مؤلفاته إليه ، قائما حتى ينهض الدليل الجازم على عكس ذلك . . وما دام هذا الدليل لم يوجد بعد ، فان جابر بن حيان حقيقة قائمة ، ومؤلفاته هي مؤلفاته لم يكتبها غيره . وعلى هذا نمضي في الحديث عن الرجل . وقبل أن نأخذ في الحديث عن منهجه العلمي ، لا بد من عرض لمحة عن : نشأته وسيرته المرجح أن جابر بن حيان ولد في مدينة « طوس » بخراسان عام 120 ه‍ ( 737 م ) وتوفي في نحو عام 198 ه‍ ( 813 م ) كما يقدر الأستاذ قدري حافظ طوقان في كتابه ( الخالدون العرب ) . أما اسمه « جابر » فيقال انه سمي به لأنه هو الذي « جبر » العلم ، أي أعاد تنظيمه . ( 1 ) ويكنى « أبا موسى » وجاء ذكره في « الفهرست » لابن النديم ( ص 498 ) مكنيا ب « أبي عبد الله جابر بن حيان » ، وربما كان له ولدان : موسى ، وعبد الله . ( 2 ) وأما أصله فقد اختلف فيه ، فبعض النصوص يصفه بالطوسي ، وبعضها يصفه بالطرسوسي ، بالإضافة إلى شهرته بالكوفي التي تتفق عليها النصوص جميعا . ويبدو ان صفة الكوفي جاءته من إقامته في الكوفة بعد نكبة البرامكة في بغداد حتى مماته . وأما صفة الطوسي فقد جاءته من كونه ولد في مدينة طوس ، كما ذكرنا . واعتمادا على ما قرره « هولميارد » ( Holmyard ) في كتابه ( صانعو الكيمياء ) نقول إن نسبه يرجع إلى قبيلة الأزد ( 3 ) التي نزحت من جنوبي الجزيرة العربية إلى الكوفة واستوطنت هناك ، ويقرر « هولميارد » انه قد انحدر من هذه القبيلة رجل عرف باسم حيان كان يشتغل بالعطارة ، ولم يكن لهذا العطار شان يذكر ، إلى أن اتصل بالبلاط العباسي ، فقد كان يقوم بالدعاية للخلفاء بجانب مهمته ، ومن أجل هذا الغرض أرسل إلى الفرس ، فنزح مع زوجته وولده جابر إلى طوس من أعمال خراسان ، قرب مدينة « مشهد » الحديثة . ثم أرسل جابر إلى الجزيرة العربية للاتصال بقبيلته ، وبقي هناك إلى أن بلغ أشده ، فأتقن العربية ، وتعلم القرآن والحساب وعلوما أخرى على يد رجل عرف باسم « حربي الحميري » ( 4 ) ، واستقبل جابر في بلاط الرشيد بحفاوة بالغة ، وكانت صلته بالبرامكة قوية أيضا ، وخاصة مع خالد بن يحيى الذي نجد ذكره في « رسائله أيضا » . والمرجح أن جابرا شهد عهد المأمون . صلته بجعفر الصادق لم يخل معظم مؤلفات جابر من ذكر جعفر الصادق ، وكثيرا ما يعبر عنه أو يخاطبه بكلمة « سيدي » . وقد اشتهر ان الإمام الصادق كان أستاذا لجابر ، فضلا عن كونه شيعيا يعتقد بامامة جعفر الصادق والرجوع إليه في معظم علمه ومعتقداته . وقد توافرت المصادر التي تؤكد ان « جعفرا » هو المعني دائما في مؤلفات جابر حين يرد هكذا مجردا من الألقاب . ففي « كشف الظنون » لحاجي خليفة ( ص 343 ) حين يتحدث عن جابر إنه « تلميذ جعفر الصادق » . ويقول « كاراديفو » حين يتحدث عن جابر أيضا : « . . ومعلماه هما : خالد بن يزيد بن معاوية . . . وجعفر الصادق » ، وجابر نفسه يقول في مقدمة كتابه « الحاصل » : « . . . وقد سميته كتاب الحاصل ، ذلك ان سيدي جعفر بن محمد - ص - قال لي : فما الحاصل الآن بعد هذه الكتب - يقصد مؤلفات جابر - وما المنفعة منها ؟ . . فعملت كتابي وسماه سيدي بكتاب الحاصل » . ويقول « هولميارد » في كتابه السابق الذكر ( صانعو الكيمياء ) : إن جابرا هو تلميذ جعفر الصادق وصديقه ، وقد وجد في إمامه الفذ سندا ومعينا ورائدا ملهما ، وموجها لا يستغني عنه ، وقد حاول جابر أن يحرر الكيمياء بإرشاد أستاذه من أساطير الأولين التي علقت بها من الإسكندرية ، فنجح في هذا السبيل إلى حد بعيد . من أجل ذلك يجب أن يقرن اسم جابر مع أساطين هذا الفن في العالم مثل « بديله » و « بريستله » و « لافوازيه »

--> ( 1 ) « جابر بن حيان » للدكتور زكي نجيب محمود - ص 12 . ( 2 ) تاريخ الفكر العربي - إسماعيل مظهر . ( 3 ) وردت « الأزد » في كتاب هولميارد هكذا ، « اليزد » وليس من قبيلة عربية تعرف بهذا الاسم غير « الأزد » والأرجح انه يريدها . ( 4 ) يحتمل الدكتور محمد يحيى الهاشمي في كتابه « الصادق ملهم الكيمياء » أن هذا الرجل هو الذي يذكره جابر في مؤلفاته أثناء الحديث عن الراهب الذي تلقن عنه بعض التجارب .